ابن رشد
317
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
الذي لم يدبر ثلاث خيارات : إن شاء استمسك بحصته ، وإن شاء استسعى العبد في قيمة الحصة التي له فيه وإن شاء قومها على شريكه إن كان موسرا ، وإن كان معسرا استسعى العبد ، وقال الشافعي : يجوز التدبير ولا يلزم شئ من هذا كله ، ويبقى العبد المدبر نصفه أو ثلثه على ما هو عليه ، فإذا مات مدبره عتق منه ذلك الجزء ولم يقوم الجزء الباقي منه على السيد على ما يفعل في سنة العتق ، لان المال قد صار لغيره وهم الورثة . وهذه المسألة هي من الاحكام لامن الأركان ، أعني أحكام المدبر فلتثبت في الاحكام . وأما المدبر فاتفقوا على أن من شروطه أن يكون مالكا تام الملك غير محجور عليه سواء أكان صحيحا أو مريضا ، وأن من شرطه أن لا يكون ممن أحاط الدين بماله ، لأنهم اتفقوا على أن الدين يبطل التدبير . واختلفوا في تدبير السفيه . فهذه هي أركان هذا الباب . وأما أحكامه فأصولها راجعة إلى أجناس خمسة : أحدها : ماذا يخرج المدبر ، هل من رأس المال أو الثلث ؟ . والثاني : ما يبقى فيه من أحكام الرق مما ليس يبقى فيه ، أعني ما دام مدبرا . والثالث : ما يتبعه في الحرية مما ليس يتبعه . الرابع : مبطلات التدبير الطارئة عليه . والخامس : في أحكام تبعيض التدبير . الجنس الأول فأما مماذا يخرج المدبر إذا مات المدبر ؟ فإن العلماء اختلفوا في ذلك ، فذهب الجمهور إلى أنه يخرج من الثلث ، وقالت طائفة : هو من رأس المال معظمهم أهل الظاهر ، فمن رأى أنه من الثلث شبهه بالوصية ، لأنه حكم يقع بعد الموت . وقد روي حديث عن النبي ( ص ) أنه قال : المدبر من الثلث إلا أنه أثر ضعيف عند أهل الحديث ، لأنه رواه علي بن ظبيان عن نافع عن عبد الله بن عمر ، وعلي بن ظبيان متروك الحديث عند أهل الحديث . ومن رآه من رأس المال شبهه بالشئ يخرجه الانسان من ماله في حياته فأشبه الهبة . واختلف القائلون بأنه من الثلث في فروع ، وهو إذا دبر الرجل غلاما له في صحته ، وأعتق في مرضه الذي مات عنه غلاما آخر فضاق الثلث عن الجمع بينهما ، فقال مالك : يقدم المدبر لأنه كان في الصحة ، وقال الشافعي : يقدم العتق المبتل ، لأنه لا يجوز له رده ، ومن أصله أنه يجوز عنده رد التدبير . وهذه المسألة هي أحق بكتاب الوصايا . وأما الجنس الثاني فأشهر مسألة فيه هي هل للمدبر أن يبيع المدبر أم لا ؟ فقال مالك وأبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة : ليس للسيد أن يبيع مدبره ، وقال الشافعي وأحمد وأهل الظاهر وأبو ثور : له أن يرجع فيبيع مدبره ، وقال الأوزاعي : لا يباع إلا من رجل يريد عتقه واختلف أبو حنيفة ومالك من هذه المسألة في فروع وهو إذا بيع فأعتقه المشتري ، فقال مالك : ينفذ العتق ، وقال أبو حنيفة والكوفيون البيع مفسوخ سواء أعتقه المشتري أو لم يعتقه . وهو أقيس من جهة أنه ممنوع عبادة . فعمدة من أجاز بيعه ما ثبت من حديث جابر : أن النبي ( ص ) باع مدبرا